بعد أسابيع من إعلان الرياض عن موارد تقديرية تتجاوز 110 ملايين طن من خام غني بالعناصر الأرضية النادرة في منطقة المدينة المنورة، يتجه النقاش من حجم الاكتشاف إلى سؤال أصعب: هل يمكن معالجته تجارياً وبناء سلسلة قيمة محلية في سوق تهيمن عليه الصين؟
ما الذي أُعلن ومن أعلنه؟
كشف وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان عن نتائج دراسات موقع جبل صايد في كلمة المملكة أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا منتصف سبتمبر الماضي. وتحدث الوزير عن موارد تقديرية بنحو 110 ملايين طن من الخام، قبل أن تشير تقارير رسمية لاحقة إلى رقم يقارب 114 مليون طن.
ويصف الإعلان الخام بأنه يحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، ولا سيما الثقيلة منها، إلى جانب تركيزات “واعدة” من اليورانيوم. غير أن الرقم المعلن يخص إجمالي الخام، لا كمية المعادن النادرة أو اليورانيوم القابلة للاستخراج، ولم تُنشر حتى الآن نسب تركيز رقمية رسمية. وتقع المنطقة في حزام معدني معروف بالنحاس ومعادن أخرى.
لماذا تهم المعادن النادرة؟
تدخل هذه العناصر في صناعة المغانط الدائمة عالية القوة التي تعتمد عليها السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، إضافة إلى الهواتف الذكية والحواسيب وأنظمة الدفاع والطيران والروبوتات. ولذلك أصبحت في صلب سباق دولي على تأمين سلاسل إمداد المعادن الحرجة، تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين، فيما تستحوذ الصين على الحصة الأكبر من عمليات المعالجة وإنتاج المغانط عالمياً.
خطة تتجاوز التصدير الخام
بحسب ما أُعلن في فيينا، لا تستهدف المملكة الاكتفاء بالتعدين وتصدير المركّزات، بل بناء سلسلة قيمة تشمل المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج أكاسيد العناصر النادرة، مع استخلاص اليورانيوم المصاحب وتنقيته، وصولاً إلى إنتاج “الكعكة الصفراء” إذا ثبتت الجدوى الاقتصادية وبما يتسق مع التزامات المملكة الدولية. كما يدرس البرنامج الوطني استخلاص اليورانيوم من حمض الفوسفوريك المرتبط بصناعة الأسمدة في شمال المملكة، وتشير التقييمات السعودية إلى مؤشرات اقتصادية مشجعة من أعمال تجريبية مع شركة “أورانو” الفرنسية.
وعلى صعيد التكرير، أعلنت شركة “إم بي ماتيريالز” الأميركية في نوفمبر 2025 مشروعاً مشتركاً مع شركة التعدين العربية السعودية “معادن” ووزارة الحرب الأميركية لإنشاء مصفاة للعناصر الأرضية النادرة داخل المملكة، تمتلك فيها “معادن” حصة لا تقل عن 51 في المائة، مقابل 49 في المائة مستهدفة للشريك الأميركي ووزارة الحرب. وستعالج المصفاة خامات سعودية وأخرى مستوردة لإنتاج أكاسيد مفصولة من العناصر الخفيفة والثقيلة.
التحدي الحقيقي: الفصل والكلفة
في تحليل نشرته صحيفة “عرب نيوز” في العاشر من أكتوبر، دعا كيرت رادتكه، الذي عمل نحو خمس سنوات في “معادن”، إلى عدم التركيز على حجم الأطنان المعلن، مؤكداً أن العبرة بنسبة التركيز وطبيعة المعادن واستمرارية الجسم الخام والكمية القابلة للاستخلاص اقتصادياً. وأوضح أن التحقق من ذلك يتطلب مزيداً من الحفر والاختبارات المعدنية والتشغيل التجريبي، وأن الفصل الاقتصادي للعناصر الثقيلة مثل الديسبروسيوم والتيربيوم على نطاق تجاري هو التحدي الأصعب، ما يستلزم مختبرات وخبرات في علم الفلزات وإمدادات موثوقة من الكواشف وإدارة فعالة للمياه والمخلفات.
من جهته، رأى الدكتور ياسين غلام من جامعة اليمامة، في التحليل نفسه، أن الجدوى التجارية تتوقف على كفاءة السلسلة بأكملها، من الاستكشاف إلى البيع، بما في ذلك رأس المال وتكاليف الطاقة والمياه والتمويل وتقلب الأسعار. ولفت إلى أن انخفاض تكاليف الطاقة والنقل يمنح المملكة ميزة، داعياً إلى تقييم المشروعات وفق الأسعار طويلة الأجل وإجراء تجارب معالجة صغيرة قبل ضخ استثمارات كبيرة.
بين الطموح والاختبار
يأتي ملف جبل صايد ضمن مساعي تنويع الاقتصاد في إطار رؤية 2030، وبالتوازي مع اتفاقية التعاون النووي السلمي التي وقّعتها المملكة مع الولايات المتحدة في يوليو الماضي. لكن تحويل الإمكانات الجيولوجية إلى إنتاج منتظم ومنافس ما زال رهناً بمراحل فنية واقتصادية طويلة، ستحدد نتائجها ما إذا كانت المملكة ستصبح لاعباً فعلياً في سوق المعادن النادرة أم مجرد صاحبة احتياطيات واعدة.

